المقريزي

188

المقفى الكبير

وعن الربيع : كان الشافعيّ معي يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة . وكان يحيي الليل إلى أن مات . وقال أبو نعيم الحافظ : سمعت سليمان بن أحمد - يعني الطبرانيّ - يقول : سمعت أحمد بن محمد الشافعيّ يقول : كانت الحلقة في الفتيا بمكّة في المسجد الحرام لابن عبّاس . وبعد ابن عبّاس لعطاء ابن أبي رباح . وبعد عطاء ، لعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج . وبعد ابن جريج لمسلم بن [ 149 أ ] خالد الزنجيّ . وبعد مسلم لسعيد بن سالم القدّاح . وبعد سعيد ، لمحمّد بن إدريس الشافعيّ ، وهو شابّ . [ نفوره من الكلام والمتكلّمين ] وقال الربيع : سمعت الشافعيّ يقول : لئن يلقى اللّه العبد بكلّ ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الهوى . - وفي رواية : خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء . وذلك أنّه رأى قوما يتجادلون في القدر بين يديه ، فقال : في كتاب اللّه تعالى : المشيئة له دون خلقه ، والمشيئة إرادة اللّه ، قال اللّه تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ، فأعلم عزّ وجلّ خلقه أنّ المشيئة له . ( قال ) : وكان يثبت القدر . وقال محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم : سمعت الشافعيّ يقول : لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه كما يفرّ من الأسد ! ( قال ) : كان الشافعيّ بعد أن ناظر حفص الفرد يكره الكلام . وكان يقول : لأن يفتي العالم فيقال : « أخطأ العالم » خير له من أن يتكلّم فيقال : « زنديق » ، وما شيء أبغض إليّ من الكلام وأهله . وقال الربيع : وأنشدنا الشافعيّ [ البسيط ] : قد نظر الناس حتى أحدثوا بدعا * في الدين بالرأي لم تبعث بها الرسل حتّى استخفّ بحقّ اللّه أكثرهم * وفي الذي حمّلوا من حقّه شغل ( قال ) : وناظر رجل الشافعيّ في مسألة ، فدقّق ، والشافعيّ ثابت يجيب ويصيب . فعدل الرجل إلى الكلام في مناظرته ، فقال له الشافعيّ : هذا غير ما نحن فيه ! هذا كلام ! لست أقول بالكلام : واحدة . وأخرى : ليست المسألة متعلّقة به ! ثمّ أنشأ يقول [ الطويل ] : متى ما تعد بالباطل الحقّ يأبه * وإن قدت بالحقّ الرواسي تبعد إذا ما أتيت الأمر من غير بابه * ضللت ، وإن تقصد إلى الباب تهتد فدنا منه الرجل فقبّل يده . ( قال ) : وسمعت الشافعيّ يقول : الإيمان قول وعمل : يزيد وينقص . وقال حرملة بن يحيى : اجتمع حفص الفرد ومصلان الإباضيّ عند الشافعيّ في دار الجرويّ - يعني بمصر - وتناظرا في الإيمان . فاحتجّ مصلان في الزيادة والنقصان ، واحتجّ حفص الفرد في أنّ الإيمان قول . فعلا حفص على مصلان وقوي عليه ، وضعف مصلان . فحمي الشافعيّ وتقلّد المسألة على أنّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ، فطحن حفص الفرد وقطعه . وعن أبي عثمان محمد بن محمد الشافعيّ : سمعت أبي - يعني محمد بن إدريس الشافعيّ - يقول ليلة للحميديّ : ما تحتجّ عليه - يعني الإرجاء - [ 149 ب ] بآية أحجّ من قوله تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ